لماذا يشتد البرد في العراق نهاية "كانون الثاني" وبداية "شباط" رغم انتهاء الانقلاب الشتوي؟ (التفسير العلمي لظاهرة التأخر الحراري)
سؤال يتردد كل شتاء: إذا كان "الانقلاب الشتوي" (أقصر نهار في السنة) يحدث في 21 كانون الأول، فلماذا نشعر بأقسى درجات البرد والصقيع بعد هذا التاريخ بشهر كامل، وتحديداً في نهاية كانون الثاني وبداية شباط؟ الإجابة تكمن في فيزياء الأرض والغلاف الجوي.
يعتقد الكثيرون خطأً أن العلاقة بين الشمس والأرض تعمل بمبدأ "مفتاح التشغيل والإطفاء"؛ أي بمجرد أن تصل الشمس لأدنى ارتفاع لها، يجب أن يكون الجو في أبرد حالاته. لكن الحقيقة العلمية التي يكشفها خبراء الأرصاد الجوية تؤكد أن كوكبنا يعمل بنظام تخزين وتفريغ حراري معقد.
أولاً: ظاهرة "التأخر الحراري" (Seasonal Lag)
السبب الرئيسي لهذه المفارقة هو ما يعرف علمياً بـ "التأخر الحراري الموسمي". لتقريب الصورة، تخيل أنك وضعت قدراً من الماء على النار حتى يغلي، ثم أطفأت النار. هل يبرد الماء فوراً؟ بالتأكيد لا، بل يبقى محتفظاً بالحرارة لفترة ويبدأ بفقدانها تدريجياً.
الأرض تتصرف بنفس الطريقة:
- مخزون الصيف والخريف: خلال الأشهر الدافئة، تقوم اليابسة والمحيطات وحتى المباني بامتصاص وتخزين كميات هائلة من الحرارة.
- الاستنزاف التدريجي: عندما يحل الانقلاب الشتوي (21/12)، تكون الأرض لا تزال تحتفظ بجزء من هذا المخزون الحراري، مما يمنع درجات الحرارة من الانهيار الفوري.
- نقطة الصفر: مع استمرار الليالي الطويلة، تبدأ الأرض بفقدان حرارة أكثر مما تكتسبه من الشمس (حتى مع بدء طول النهار قليلاً). يستمر هذا "العجز الحراري" بالتراكم حتى يصل ذروته بعد 30 إلى 40 يوماً من الانقلاب الشتوي، وهو ما يفسر برودة نهاية شهر كانون الثاني.
ثانياً: سلوك القطب الشمالي وتأثير الثلوج (تأثير ألبيدو)
العامل الثاني والأخطر يتعلق بما يحدث في القطب الشمالي وسيبيريا خلال هذه الفترة:
- ذروة التبريد القطبي: في هذا الوقت من السنة، يكون القطب الشمالي قد وصل إلى أقصى درجات التجمد. الثلوج تغطي مساحات شاسعة، وبدلاً من امتصاص القليل من ضوء الشمس، يقوم الثلج الأبيض بعكس الأشعة للفضاء (ظاهرة ألبيدو)، مما يجعل الهواء فوقه أكثر برودة وكثافة.
- ضعف التيار النفاث: نتيجة لهذا التبريد الشديد، يضعف "التيار النفاث" (الحزام الهوائي الذي يحبس البرودة في الشمال)، ويبدأ بالتعرج. هذا التعرج يفتح "بوابات" تسمح للكتل الهوائية السيبيرية المتجمدة بالانزلاق جنوباً نحو العراق والشرق الأوسط، مسببة موجات برد قاسية.
ثالثاً: السماء الصافية والتبريد الإشعاعي
يلاحظ العراقيون أن أبرد الليالي هي الليالي "الصافية" الخالية من الغيوم، وهذا ما يحدث غالباً في "مربعانية الشتاء" وبداية شباط:
- الغيوم تعمل في العادة كـ "غطاء" يحبس حرارة الأرض ليلاً.
- عندما تكون السماء صافية والهواء جافاً، تفقد الأرض حرارتها بسرعة هائلة بعد الغروب، حيث تتسرب الحرارة مباشرة إلى الفضاء الخارجي.
- هذه العملية تسمى "التبريد الإشعاعي"، وهي المسؤولة عن تشكل الصقيع (الانجماد) فجراً حتى لو كانت درجات الحرارة نهاراً معتدلة نسبياً.
الخلاصة
إن البرد القارس الذي نعيشه في شهري "كانون الثاني" و"شباط" ليس خللاً في الطبيعة، بل هو نتيجة طبيعية لاستنزاف مخزون الأرض الحراري وهجوم الكتل القطبية المتراكمة. لذا، لا تنخدعوا بانتهاء "الانقلاب الشتوي"، فالشتاء الحقيقي غالباً ما يبدأ بعده.
الأسئلة الأكثر تكراراً حول شتاء العراق 2025
س: متى تنتهي "مربعانية الشتاء" في العراق؟
ج: فلكياً ومناخياً، تنتهي المربعانية (وهي أشد 40 يوماً برودة) في نهاية شهر كانون الثاني (يناير)، لتبدأ بعدها فترة "الخمسينية" التي تشهد تقلبات جوية بين الدفء والبرد.
س: هل الانقلاب الشتوي هو أبرد يوم في السنة؟
ج: لا، الانقلاب الشتوي هو "أقصر نهار" فقط. أما أبرد أيام السنة فتأتي عادةً بعده بشهر (نهاية كانون الثاني) بسبب ظاهرة "التأخر الحراري" للأرض.
س: ما هو سبب موجات الصقيع الحالية؟
ج: السبب الرئيسي هو سيطرة "المرتفع السيبيري" القادم من روسيا، تزامناً مع ليالٍ صافية تسمح بفقدان الحرارة بسرعة عبر الإشعاع الأرضي.
الانقلاب الشتوي، أبرد أيام السنة في العراق، ظاهرة التأخر الحراري، المرتفع السيبيري، طقس العراق، مربعانية الشتاء.
